16ديسمبر

وجبة الحياة

علي منضدة اقتسما فيها وجبة الحياة جلس فنجان قهوتها وحيد ، فردية الفنجان الخالي من السكر اعتراف مُهين بحقيقة وحدتها دون وليفها .

لكن كل ما هنالك أن الفنجان لم يُدرك أن مؤنسها يسكن في خلاياها السرية ، و أنه يقفز في تفاصيلها فتلمع عيونها فجأة و يشرق وجهها بابتسامة هي له وحده ، ابتسامة تطير لتحط علي ذاكرته فيبتسم فجأة لها وحدها و هو علي الجانب الآخر من العالم ، الأصدقاء حوله ما عادوا يدركوا سر ابتساماته الدائمة بلا مبرر، هم فقط لم يلمحوها تسكن في عمق عيونه تبتسم ، و لم يروه داخل روحها يبتسم .

الحب الذي بدأ بفرع صغير للإعجاب نما سريعا” ليصبح شجرة انبهار حتي أصبح كَرمة عظيمة تظللهما كما سماء أخري خضراء ، أينما ذهبا تتدلي عناقيد الشوق ، سماءً براح و قطوفها دانية لقلبيهما ، فقط ينبض القلب بالغرام ليسكرا دون غياب للوعي ، محض ارتعاشه للجفنين حتي يلمح أحدهما ضحكة الأخر ، مجرد تعشيق بين أصابع اليدين يقوم بها أحدهما حتي يسري الأخر دفءً ما بين أنامل معشوقه .

مُستبد هو الشوق ، فالطفل ذو اللحية الرمادية ينزف بخطو الحنين في البلدان وحيداً بعدما انتزع من وطنه و أُجبر علي الرحيل ، خرج يحمل الوطن بقلبه و بين أوصاله ، فصار كل البشر و الأماكن مجرد غربة مستمرة .

قاتل متسلسل هو الشوق ، ظل الوطن يحن إلي خطوه في الدروب ، و يشتاق إلي ضحكاته المبعثرة بالذكريات ، و يتلهف إلي دفء أنفاسه بعدما سكنه الصقيع دونه ، لذا هاتفته حبيبته قائلة ( غزلت لك حبيبي دثارً واق للقلب من صقيع الغربة فلا يفترسك استيحاش الطريق ، في البدء جدلت من قلب الوطن خيوط عشقية و ضفرتها بلمسات من بين أصابع الطرق و بينهما ذوبت رائحة ما بين الجبلين و في المنتهي عقدت العقدة في نهاية الغزل بعبق حمم البركان القابع في الوادي ، الأن أنت في عمق الوطن فاطمئن ).

الطفل الكامن داخل كلاهما إلتقى الأخر ، طفل هو قد بلغ أشده و طفلة هي قد بلغت أنوثتها ، شغفهما باقتسام رغيف السعادة دون اكتفاء يؤكد ذاك ، تعاطيهم للعبة الحواديت بالتبادل دون اتفاق مسبق يؤكد هذا .

طفل يؤمن أنه لا عشق دون طمع ، فكيف لا يحق له أن يحتفظ بها في الصباح شمس بين ضلوعه لتنير دربه وحده ، و في المساء يصبح هو قمرها لتخرج في الليالي القمرية الذئبة الكامنة فيها تعوي له وحده بالرغبة و تشتكي له شوق يهدر في دمها .

كلاهما يؤمن أن الأخر هو حق أصيل له رغم طغيان الزمان و استبداد الأمكنة و غطرسة الفناء ، فرغم ضعفهما و ضئالتهما أمام خطوة الزمن لكن كونهما معا” فهذا هو منتهي المنتهي ، بعدما اقتنصا من الزمن زمنهما تحققا دون تلاشي ، فهزما معا” الفناء.

مروة حافظ
#لمسات_الفراشة

 

259 Total Views 1 Views Today
شارك التدوينة !

عن Eve

© Copyright 2014, All Rights Reserved