17أكتوبر

علاقات مصابة بهشاشة العظام

 

علاقتنا العاطفية في مصر معظمها مصاب بالهشاشة، تشبه تمامًا هشاشة العظام، عند الوقوع أو الاصطدام تنكسر، تحتاج إلى كالسيوم حتى تقوى وتصمد، تحتاج إلى جبيرة أو جبس تعود كما كانت بعد فترة قد تقصر أو تطول من الألم والحركة بالكاد، وقد تحتاج إلى المسامير والشرائح أي إلى تدخل جراحي لكن سيبقى هناك عرجًا بسيطًا، وإن كانت الإصابة في القدم لا تعود أبدًا كما كانت.

هكذا هي علاقتنا العاطفية، يوجد أي اختلاف، عند أول منعطف يبعتد أحدهما أو كلاهما في انتظار رجوع الآخر أو أن يسأل عن حال الجبس الذي ينتج عنه حرارة عالية ويشعر المُجبَّس بقيد حول رقبته رغم أن الألم في قدمه أو قلبه.

لا أستطيع أن ألوم جنس بعينه أو أعمم، مازلت مقتنعًا بأن كل علاقة هي حالة لا يقاس عليها، لكنني ألوم المجتمع أولا، التربية التي أفرزت لنا جيلا مازال يرى الحب حرامًا و عيبًا، مازلت أتذكر أيام المدرسة، عندما كانت تنشأ علاقة بريئة بين طفلين في الصف الإعدادي فهي من الموبقات، ويعتبر الطرفان خارجان عن الدين والمجتمع، فكنا نتكتم هذه العلاقات حتى لا تصل إلى الأهل أو إلى المدرسين، أتذكر جيدًا كيف هددني المدير بفشي علاقتي مع زميلتي في طابور الصباح كالقتلة، وكيف استقبلت تهديده وكأنه فضيحة أخلاقية أو اتهام في الشرف.

اتذكر أيامًا مضت كنا نفكر كيف نتقابل في الفسحة دون أن يلاحظ المدرسون أي تبادل للابتسامات أو النظرات. وما الحب بين الأطفال إلا نظرة أو ابتسامة أو احتضان يد مع بعض الكلمات؟

بعد النضح المزعوم لم يرحمنا المجتمع فأخرج شبابا إذا قابل أخته تسير بجوار شاب ممسكا يدها وكان هو في نفس الوضع فأخته عاهرة في نظره، في حين أن قد يكون يحب فتاته فعلا، لكن هذه الفكرة لن تخطر على باله. فأنت لك أخت، وحبيبتك لها أخ، وتسير بجانبك تتلفت يمنة ويسرة إذا اقتربت من مكان يحتمل أن ترى فيه أحد أقاربها.

نظن دائما أننا الجيل الذي أعاد النظر في ماضيه، والذي كسر التابوهات، لكنه لم يستطع أن يتخلص من تقاليد الزواج التي تميت الشريكين حتى يستطيعا فقط بدء حياة مليئة بالديون ومحاولات الستر.

هذا عن الظروف، أما نحن فقساة إلى أقصى حد، وننتظر أن يكون الشريك ملاكا يطبب ويجبِّر ويعالج الآلام، وعندما يكشتف أن من يحبه بشرا فتكون النتيجة هي الابتعاد الفوري والبحث عن ملاك في الخيال؟

كم من الفتيات تسيطر عليهن صور الفيسبوك المليئة بالأحضان من الخلف في المطبخ أو نظرة ممثل لممثلة وتكتب هاشتاج #نظرات أو #عن_نظرته_لها، وتظل تبحث طوال حياتها عمن ينظر لها مثل الصور فإذا وجدته، قد لا تجد قلبها معه إنما مع فرد آخر لا ينظر لها أصلا ويصبح الكراش.

والرجل ينتظر الملاك التي لم تدخل في علاقة سابقة لكنها خبيرة في الكلام والمفجآت، الملاك التي تعطيه مساحة الحرية لكنها في نفس الوقت إذا لم تتصل به العدد المعتاد من الاتصالات أو رسائل الواتس آب فإنها لا تحبه.

إنها الخائفة من أهلها والتي يجب أن تكون في منزلها في موعد محدد، فهي إذن “معقدة” و”مقفلة”. التي إن خرجت من منزل والدها تتوه في الشوارع، لكنها خبيرة في أمور الجنس، حتى تستطيع إشباعه.

لا يضع أي اعتبار لما تعانيه الفتاة في مجتمعنا من تربية، ومؤثرات خارجية تشارك في تكوينها النفسي. ينظر لصور القبلات في شوارع أوروبا، وبنات اليورو وملابسهم العارية، ويتحسر، وينظر لابنة بلده التي إن فعلت المثل فهي بالتأكيد عاهرة. فكانت النتيجة الطبيعية هي بنت معقدة تخاف كل شيء، وشاب متناقض يريد كل شيء وعكسه في الوقت نفسه.

هل هناك من حاول الوقوف على أرض مشتركة يحاول فيها كل منهما علاج الآخر؟

استخدم كلمة علاج لأننا -للأسف- جميعا مرضى، نحتاج إلى من يعالج أمراضنا النفسية، نحاول الوقوف على أرض صلبة لا تهتز تحت أقدامنا. كلنا نشعر أننا لا نملك الوقت أو الطاقة التي نعالج ونتلقى العلاج في آن واحد. علاج الهشاشة يأتي بالكالسيوم، كلنا نحتاج إلى الكالسيوم، وهو علاج طويل المدى، تأتي نتائجه من الانتظام في شرب اللبن، ونتاول العقاقير حتى تقوى عظامنا ولا تنكسر إذا سقطنا أرضًا.

نحتاج لجرعات مكثفة من الكالسيوم كي تقوم لعلاقتنا قائمة، حتى نستطيع احتمال عيوب الآخر، ومحاولة حل العيوب الأخرى، نحتاج لمن يشعرنا أننا مع آلامنا وتربيتنا التي شوهتنا نفسيا و أخلاقيا لن يتركنا ويرحل ليبحث عن شخص آخر صحيح النفس والجسد، اعتنى أهله به وأعطوه كثيرا من الكالسيوم.

لقد تشوهنا نفسيا حتى أن بعضهم يطلق على كلام الحب مصطلح “مُحن” وهو أكثر مصطلح كرهته في حياتي، فنحن لم نكتفي بما في أنفسنا من عَطَب، بل نصنع من واقعنا مسخًا حتى نشعر باتساق، فمن يغازل يصبح ممحونًا ومن تبحث عن حبيب فهي تريد من تنام معه.

هل أفسد الفيسبوك وأنستجرام شكل العلاقات؟

أكاد أجزم بهذا، فهذه المواقع صنعت وعيًا جمعيًا كله يشعر بالبؤس والوحدة والكآبة. الاسترسال في هذا الموضوع لا ينتهي والحكايات التي سمعتها وعضتها ورأيتها لا تعد لكنني أكتفي بجملة تامر حبيب على لسان هند صبري في فيلم لعبة الحب متحدثة إلى خالد أبو النجا ((كنت فاكرة الحب إن الواحد ممكن ياخد رصاصة مكان اللي بيحبه، لكن اكتشفت إن الموضوع أبسط من كدة بكتير وهو إنه يقدم شوية تنازلات عشان يقدروا يفهموا بعض))

تنازلوا وسامحوا وعالجوا وطببوا وجبّروا واحضنوا ولا تبخلوا بالكلمة والاتصال والوقت. فكلنا مرضى ونحتاج من يتحمل آثار الماضي وآلام الحاضر

 

 

 قلم 

محمد  أبو عوف 

896 Total Views 1 Views Today
شارك التدوينة !

عن Eve

© Copyright 2014, All Rights Reserved