29مايو

ابن حياة

 

أنا إنسان تربية أمي، أعترف بهذا دائما، لا أخجل إطلاقا، ولا أجد في تعبير (ده ابن أمه، أو تربية أمه) أي عيب أو سبة.

 

علمتني أمي المسؤولية المبكرة في أصغر التفاصيل، أتذكر جيدا أن آخر علاقتها بدراستي كانت مع انتهاء المرحلة الابتدائية، كانت كمعظم الأمهات تتابع سير المذاكرة والجدول والواجبات المدرسة والمذاكرة قبل الامتحانات.

 

لكن هذا انتهى مع المرحلة الابتدائية تحت مبدأ (اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه)، فهي زرعت بذرة الاهتمام بالمستقبل، والتفوق في الدراسة ومراعاة الفرد لنفسه حرصا على نفسه وليس خوفا من بطس أو عقاب، كانت فقط تتابع درجات الامتحانات الشهرية لتعرف كيف تسير الأمور وهل حدت عن الطريق أم لا.

 

كنت في بعض الأحيان أقول لها اكتبي خطاب للمدرسين بالمدرسة اسأليهم عن أحوالي، في رغبة مني لمعرفة ماذا يقول المعلمون عني، وأيضا في محاولة بريئة للفخر والنظر في عينيها لحظة قراءة الرد ومشاهدة انفعلاتها وهي تقرأ كلمات المديح.

 

أمي، تلك السيدة التي تؤمن بالحب والبساطة والهدوء، وأن السعادة في الحياة لا تتطلب إلا أبسط الأشياء، إيمانها بالحب جعلني عازفا عن الزواج إلى الآن في انتظار الحب الذي سأكمل به بقية حياتي، فهي كما تنصح الأقربين دائما، (الجواز مسؤولية وهم، متستعجلوش عليه، لازم المتجوزين يكونوا بيحبوا بعض عشان يقدروا يغفروا لبعض ويعدوا لبعض، لكن لو مش بيحبوا بعض مش حيقدروا يكملوا).

 

كثيرا ما سمعتها تتحدث في الهاتف قائلة :

(مستعجلة ع الجواز ليه، فرحانة بالفستان؟! استني شوية وشوفي حياتك)

كل هذه الكلمات حُفرت في ذهني وفي لاوعيي، جعلتني أدرك أهمية الحب في الحياة.

 

لم تتعبني يوما أو تلح علي تحت شعارات

(عاوزة أشوف عيالك، مش ناوي تتجوز؟، انت كبرت، إلخ إلخ إلخ من العبارات التي تزعج كل من يسمعها)

كثيرا ما صدت عني محاولات إخوتي لرؤية عروس هنا أو هناك، وتقول لهم :(هو لما يعوز يتجوز حيقول، محمد مش حينفعه ست بيت، هو عاوز واحدة ينزل معاها المظاهرات ويجروا م الغاز المسيل للدموع، ويقعدوا ع القهوة، عاوز واحدة شبهه).

 

هذا كلامي بالطبع لها، لكنها اقتنعت به، وتفهمه جيدا، حتى لو كانت نتيجته استهجان المستمع.

 

عشت مع أمي أنا وهي فقط حوالي خمس سنوات متواصلة، أدركت فيهم معنى السلام النفسي، والهدوء، كيف تتحدث بهدوء، ولا يعلو صوتك، فالحديث لا يحتاج لصوت لعال.

 

 

لها دور في مؤثر في كل الخطوات المؤثرة في حياتي، بداية من الكتابة، فوسط سخرية إخوتي، كانت هي تشجعني وتقرأ ما أكتبه، في أيام كتابة رسالة الماجستير وظهور العقبات وإصابتي بالاكتئاب والتوقف عن الكتابة تجلس جانبي لتشجعني على استكمال الطريق، وبعد الانتهاء منها جاءت لي في يوم وقالت لي 

( كنت بقلق عليك أوي لما أشوفك مكتئب وببقى خايفة تيجي تقول مش حكمل، الحمد لله إنك خلصت)

 

عندما أسافر أي مكان لأكثر من يومين فتقول لي في اليوم الثاني(وحشتني فأرد خجلا: وإنتي كمان وحشتيني جدا)، وبعد ضعف بصرها واستعانتها بي لقراءة ورقة هنا أو هناك أو رقم من الموبايل لأفجأ بها تقول (انت عيني اللي بشوف بيها).

 

رأيت فيها القوة، والإيمان بالله، والرضا بما قسمه الله أكثر من مرة في تجارب كل منها أكثر قسوة من الأخرى، مرة قبل الدخول لغرفة العمليات لإجراء عملية قلب مفتوح، ومرة أثناء التعب الذي أصاب عينيها وأضعف بصرها.

 

فحياتها مستمرة بنفس روحها، بعد المرض، فهذا قضاء الله، وكما أخبرتني، (أنا داخلة أوضة العمليات وحكون بين إيدين ربنا، واللي حيحكم بيه ربنا حكون راضية بيه)، وقد كان بعد مرور سبع سنوات على العملية.

 

أمي التي دائما ما أضعها أول اسم في أي إهداء أكتبه في أي عمل لأنها تستحق ذلك

 

لا يفهم الكثيرون كيف تكونت هذه العلاقة، وكيف صار التواصل، وكيف صارت السلاسة في التعامل بأقل الكلمات وبأقل مجهود، فلا تحتاج لتفسير، أو شرح، ولا تبعث لي برسائل استهجان من طباعي الغريبة نوعا ما عندما قررت أن أغطي جدران حجرتي بالصور، أو أترك لحيتي غير مهذبة، أو أشتري ملابس غريبة بعض الشيء، أو أرفع صوت الأغاني في حجرتي.

 

أمي، تلك السيدة التي سعادتها تكمن في جلسة على كورنيش إسكندرية وتشرب العصير، وتستمع بالهواء النقي ومشاهدة السيارات المسرعة في الطريق.

 

تربية الأم ليست عارا، وليست وصمة تخجل منها، واسمها ليس سبة حين تعرفه الناس، فافخر دائما بأمك وافخر بتعبها، فهي شرف وتكريم لتلك السيدة التي أفنت عمرها من أجل شخص آخر لا تريد منه أي مقابل، فقط لأنها تحبه فتعطيه من نفسها وروحها دون مقابل، وأسعد كلمات تسمعها هي المدح لابنها الذي يكون صورة لتربيتها فتعرف حينها أن سني عمرها لم تضع هدرا.

 

حياة هو اسم أمي، ودائما ما أقول إن لها من اسمها نصيب ضخم، ولي أيضا من هذا الاسم ليس قليلا.

قلم

محمد عوف

1385 Total Views 1 Views Today
شارك التدوينة !

عن Eve

© Copyright 2014, All Rights Reserved